عباس محمود العقاد
274
أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )
زياد وأعوانه ، ولكنّه ما عتم « 1 » أن رأى بوادر العواقب توشك أن تطبق عليه بالوبال من كلّ جانب حتّى تيقّظ من غفلته بعد فوات الوقت ، فعمد إلى المحاسنة والاستدراك جهد ما استطاع ، ولم يكن في يقظته على هذا معتصما بالحكمة والسداد . ولقد رأى البوادر منه غير بعيد ولمّا تنقض ساعات على ذيوع الخبر في بيته قبل عاصمة ملكه . . فنعى ابن الحكم فعلة ابن زياد ، وناح نساؤه مشفقات من هول ما سمعن ورأين ، وبكى ابنه الورع الصالح معاوية ، فكان يقول إذا سئل : « نبكي على بني أميّة ، لا على الماضين من بني هاشم » « 2 » . ومهما تكن غفلة يزيد ، فما أحد قط يلمح تلك البوادر ثمّ يجهل أنّها ضربة هو جاء لن تذهب بغير جريرة ، ولن تهون جريرتها في الحاضر القريب ولا في الآتي البعيد . والواقع أنّها قد استتبعت بعدها جرائر شتّى لا جريرة واحدة ، وما تنقضي جرائرها إلى اليوم . فلم تنقض سنتان حتّى كانت المدينة في ثورة حنق جارف يقتلع السدود ويخترق الحدود ؛ لأنّهم حملوا إليها خبر الحسين محمل التشهير والشماتة ، وضحك وإليهم عمرو بن سعيد حين سمع أصواب البكاء والصراخ من بيوت آل النبي ، فكان يتمثّل قول عمرو بن معديكرب :
--> ( 1 ) عتم : أبطأ . ( لسان العرب 9 : 40 ) . ( 2 ) الإمامة والسياسة 1 : 241 .